Uncategorized

وليمة الذكريات.

البرد قارص، و يلتهم أطرافي بتلذذٍ مُقيت، حاولتُ أنْ أتكفكف عنه وأحتضن نفسي لكنّ ذراعيّ انكمشا فصارا قصيران جدًا. هاهو عود الكبريت الأخير، مرّرته على رقبتي القاسية ليشتعل لكنه تحطّم إلى ثلاث وعشرون قطعة، تمامًا كعدد سنوات عمري المبتورة. بقيتُ وحدي في هذا الخواء أستمع إلى تنهيدات العجوز الذي يقطن على رأس الجبل، يبكي رثاء قلبه المكلوم، و أواسيه بدوري بسائل من محيط عيناي يشق طريقه أخدودًا على وجهي.

مرةً مرّني عابرٌ أتى من مدينة بعيدة و أخبرني أنّ صوت نحيب العجوز ليست إلا رياحًا، وما أدراه ؟! لقد عشتُ هنا عمرًا مديدًا، لست أعلم إن كان عقدين أم قرنين من الزمان, فقد فقدتُ القدرة على العد! أخبرني العابر كذلك أنّ عينيّ بحرٌ من قهوة و شوكولا، تلك كانت المرة الأولى التي أرى بها شيئًا من ملامحي، بقعتان مجهولتا المادة، تلمعان في الظلام المُستطير.

حينما رحل العابرُ أرسلتُ معه جناحيّ ، غمامتين يظللان طريقه الذي أجهله .. لم أرهما مُذ ذلك الحين، أخشى أنّهما ، في أفضل الحالات، قد ضلّا الطريق. بتُّ أستصرخهما كل يومٍ حتى يغشاني النعاس، لكنّ صوتي رحل خِفية في إحدى الليالي، رحل مُغاضبًا، و حزينًا يملؤه الحنين! رحلوا جميعًا و بقيتُ أنا هنا، وليمةً نحيلةً سهلةً لمخالب الوحش المدعوِّ بالذكريات، بقيتُ وحدي بلا أجنحةٍ ولا صوت، و ذراعيّ قصيران جدًا ..

Advertisements
قياسي
Uncategorized

تحوُّل 

قشرة جليدية رقيقة تفصلها عن الهاوية المشعّة، تقف بحذر و عينيها الباردتين تحدقان في الأفق. سحب قرمزية تتشقق عبر رمادية السماء، صمت مطبق إلا من صوتها الذي يغني بنغمة تشبه معزوفة الريح الحزينة، تهويدة الحنين القديم. تنتظر بأمل زائف، لم تكن تدري أن زيف الأمل هو السكين الموجه نحو قلبها بانتظار أن يخترقه بهدوء و تروٍ.

انقشعت السحب عن وجه السماء، كان الوقت نهارًا بلا شمس. لحظة صفاء غزت عقلها ببطء، سحبت نفسًا عميقًا لتسقي عطش فؤادها، لكن الهواء الملوث زادهُ ظمأ ! حركت قدميها العاريتين على الجليد، نصف خطوة، بينما عينيها مازالتا شاخصتين بالفراغ، لم تكن تعابيرها قابلة للقراءة. أغمضت عينيها حين شعرت بوخزة السكينة المعلقة في الهواء والتي تنتظر بنهم ..

خطوة كاملة، الآن.

ابتلعت ريقها بألم إثر الحقيقة التي ضمت جسدها كثوب من الأشواك، شقوق انتشرت عبر كامل جسدها لتدميه. ارتفعت نغمات صوتها حين اخترقت السكينة قلبها، فغادرت أسراب طيور من رمادٍ كانت حبيسة أضلعها. أصبح فؤادها فارغًا فتنفست بعمق، خطوة أخرى فعبَرها السكين الوحيد.

تصدعت السماء الرمادية لتمطر نورًا، ثبتت قدماها على الجليد الذي أصابه الدفء، ابتسمت بعمق ملتفتة للذكريات التي تسربت عبر الشقوق في جسدها لتسقط في الهاوية المشعة، لقد كانت قبل هذا تأكل جسدها ببطء!

أزالت خصلاتها السوداء عن وجهها و رفعت رأسها للسماء بابتسامة، تمد ذراعيها بمرح لم تعهده من قبل. لمسات المطر المضيء على بشرتها تغلغلت بداخلها عميقًا، توسعت ابتسامتها براحة حين ارتفعت عن الأرض. ضحكت مبتهجة و صوتها يرتفع بسعادة غامرة؛ ياللإله، إنني أطفو!

قياسي
Uncategorized

المادة: كشكول. 

مرحبًا مجددًا، 

في كل مرة أعود للمدونة و اطبع أحرفًا محتارة بسرعة خشية أن تهرب من عقلي قبل أن احبسها على صفحتي. ثم أعود لأغلق الصفحة آمرةً التطبيق بأن يحذف ما كتبته، لا لشيء سوى أنني لا أفهم ما طلسمت.

قررتُ الآن أن أكون أكثر جرأةً و أطبع ما طرأ على عقلي ثم أنشره بلا مراجعة وبلا تدقيق كالمعتاد. 

 سأكتب قبل أن يمل إبهامي من التفاصيل التي لا تنتهي، و كما يقول لي البعض “الزبدة؟” لستُ أدري ماهيّة هذه الزبدة إطلاقًا! عقلي لا يعمل كعقول من هم حولي و هذا ما يجعلني أسير بقدم على الرصيف، و الاخرى بجانبه. لقد كنت دائمًا مختلفة سلبًا و إيجابًا معًا. بدءً من إسمي الأول الذي يختلف تمامًا عن باقيه وصولًا إلى قبيلتي، فريدة. 

اسمي يصيبني بالحيرة تمامًا كغرابته في مجتمعي، لم أكن قد أتممت السابعة من عمري حين كان الأطفال في سني يتمايلون ضحكًا على “فريدة” مطلقين أنواع النكات على هذا الإسم العجيب! لم أكن أفهم كيف تكون خمسة أحرف شكلًا من أشكال الطرائف. في الحقيقة كنت اظن بأن هذا الاسم الغريب لعنة علي، و مازلتُ ..
سأقف هنا، في صفحة غير مكتملة، عشوائية تمامًا كأفكاري التي تتحرك بسرعة ثلاث و عشرون ألف سنةٍ ضوئية لكل ثانية. إنني آمل خقًا أن أعاود الكتابة مجددًا، أن أستكمل ما بدأته، فهاقد تملل إبهامي كما تنبأتُ بدايةً .. 

للأحرف بقيّة.

قياسي
Uncategorized

هرطقة.

أشعر بالخواء، باللاشعور .. 

أصبحتُ أشبه الشجرة العجوز التي كانت تحنو علي بظلها، إلا أنني بلا أوراق، يابسة، جوفاء، وبلا ظل .. 

اسمع خوار الهواء وهو يصيح بداخلي، جامدة كعجل قوم موسى ..

عينيّ خاويتان، باردتان شاخصتان باللاشيء، لم تعودا تلمعان بمرح كالسابق. لقد فقدتُ الكثير مؤخرًا .. الكثير الذي كان يعمّرني، سأحدث أخباري لخالقي .. سأرجف رجفة كما الأرض التي اغتالها ابناؤها. 

لست ادري مالذي اهرطقه على هذه الصفحة الفارغة مثلي، كل ما اعرفه انني اردت ان انشر حروفًا منزعجة ليصمت العالم، و اعود إلي صمتي القديم. 

قياسي
Uncategorized

مُفارَقَةٌ حُلْوَةٌ.

عيناها توأمَا لوزٍ حُفّا بالشهوات، و يسبحُ في فُلكِ كُلٍ مِنهما كوكبٌ مِن بندق، بطعم القهوة، و رائحةِ المَاهُوجنيّ. في التقاء رموشها قبلةٌ تطفو لتُطبَع عميقًا في طيّات الروحك، تَقبضُ النبضات للحظات بألم لذيذ!
في عينيها تَقطُن المتناقضات، كالحَربِ والسِّلم.. تعيثُ في الجوفِ جوىً لتُعتق الصِبا و الشباب، و الطفولة و المشيب!
في عينيها يطمئنُّ مارِدٌ ملائكيٌ مُجنَّح، ما إن يرمِقُ حدقتيك حتى يُصيبك بِمَسٍّ لا يَكادُ يُشفَى إلّا عبرَ قُبْلَةٍ مِنْ لهيبِ شفتيها. لكن حذارِ، فشفاؤك سيزيد مِنْ تَفَاقُم حمى اشتياقك للمزيد، تُسكِرُ كلَّ بعضِكَ، ماعدا المُستَصْرِخ وَلَعًا، اللابِثِ يسارَ صدرك ..
آهٍ و عينيها البريئتان تسجنان حُرّية قلبي، و تُقيّدان عقليَ بِأغلالٍ أثيريِّة مِن نورٍ لتقتادني نحو زنزانتي السماويّة !
آهٍ و عينيها تحملان أسرار القدماء، و تضحكان لتسَتَحضِرا غَياهِب عُتمة روحي في رَقصة ساحِرةٍ، فتُسطعان فيَّ بنورهما.
هَل ليَ أنْ أُقبِّل عينيها ؟! فأعيشُ قيسًا سرمديًا، و تصيبُني بضَربٍ مِن الهوَى ؟! هل لي أنْ أسبِر أغوَار تلكُما العينان فأضيعُ في مَداراتِ روحِها الخجِلَة؟!
ها أنَا أمَامَ المَذبَح، أُقدِّمُ تَضحيَتي، روحيَ الأبيَّة، أفلا تضمّيني إليكِ، اجعليني شِغافِ قلبكِ ، حيثُ أصير حَجرَ زاوية خِدرِ حبكِ ..

قياسي