حَرْفٌ

أنا العنقاء

 

كان لديّ صديقٌ قديم، كابوسي الخاص، كنتُ استأنس برفقته بخوف. يلف يديه حولي و يغرز اظفاره بظهري كناية عن تملكه لي، كنت أستسلم بين ضفتيه؛ أعض شفتيّ لأمنع صوتي المختنق من التعالي، حتى أشعر بطعم مرارة السائل القرمزي في فمي مرورًا ببلعومي.. 

في أحد الأيام كنت كعادتي أرتعش بين يديه اللتان كانتا أقرب إلى كلاليب فولاذية، اضحك بهستيريا على نكاته الشبحية، ياللسخرية! 

لحظة مهمة تلك التي سمعت بها حفيفًا، صريرًا .. لحظة بارعة شعرت بحركة لطيفة بظهري، تمامًا حيث كان، صديقي القديم يغرز مخالبه التي يسيل منها القطران. كنتُ قد أغلقت عينيّ لتسع سنينٍ عجاف ثقال، حتى أنني خلتُ أنهما قد خيطتا ! لحظة اندفاع الادرينالين بجسدي، شعرتُ بتيارات كهربائية بقوة تسعة آلاف واط وأكثر ، تعبر خلال جسدي كاملا .. كانت لحظة متهورة تلك التي قررتُ فيها أن اترك امانيَ المخيف، أن أخطو خارج المحارة التي لم أعرف سواها قبلًا، نحو العالم الغريب. تناهى إلى سمعي صوتٌ يستجديني للعودة، لكنني تجاهلته رغم ذلك .. تحول الصوتُ متوعدًا و منددًا، يدعو بالويل و الثبور، يخبرني أنه مدينتي الفاضلة، يهدد أنني سألتهم الرماد خمس لقمات متتالية حتى أُتخم و يخرج من مدمع عينيّ .. مسكينٌ ذلك الصوت، لم يكن على دراية بما كنتُ أرى ! كونٌ سرمديٌ يداعب عينيّ في الخارج، رائحة حنونة تشعرني بالدفء.. أوه، أهذه هي رائحة ما يسمونه بأشجار الصنوبر ؟! ياه، صوتٌ عذب بداخلي يهمس لي أن استمر، شعورٌ قويٌ يجرني إلى الخارج. فتحتُ عينيّ باتساع، ياللدهشة! سوطٌ من نور يرقص أمام ناظريّ ، حينها فقط عادت الحركة اللطيفة في ظهري، كتفيّ تحديدًا لكن هذه المرة كانت قوية، كأنّ شيء يريد الخروج من ظهري، أن يتنفس ! فتحتُ فمي لأصرخ فإذا بي أضحك حتى اختنقت بالاوكسجين .. 

سحبتُ نفسًا عميقًا منعشًا .. فانطلقت من ظهري قطعتين مكسوتان بريشٍ فضيّ، ترقص لمعتهما تحت عين الشمس وهي تميل محتضنة الأرض! همس الصوتُ بداخلي مجددًا 

” نحو الشمس، حلقي بجناحيك .. إنك العنقاء ” 

أسطورةٌ، تولد من رمادها ولا تلتهمه .. صعبٌ الوصول إليها ! 

أنا العنقاءُ. 

قياسي
حَرْفٌ

موسيقى مشوّهة

” لا بأس، لا بأس، لا بأس .. ”

ظللتُ أردد هذه الجملة بداخلي مرارًا لعلّي أهدئ من روع  المختلج في جوفي. جوقة عجيبة من المشاعر المختلفة اجتمعت واقفة على قدمٍ وساق، بلا قائد للجوقة تستمر بعزف مقطوعة شديدة العشوائية و عالية التردد ، تبعثر ما جمعته بصعوبة من شجاعة مرتجفة. فم بوقها ينعق في أذن قلبي و تقهقه طبولها في رأسي، لحنٌ غريب!

 أشعر بحضور قلبي الخفّاق بداخل رأسي، كأنه صندوق مفرغ من كل شيء سوى صدى خفقات صارخة بلحن الجوقة الصاخبة. استطعت تمييز الخوف يحتضن الكمنجة و يعزف ضاحكًا .. و يتمايل الحنين أمامه محتارًا بلحن الأكورديون  الذي يرقص بين يديه عبثًا .. بينما تمدد الغضب على ظهره و أصابعه تداعب اوتار القيثارة الرمادية. أخيرًا قرر الحزن كسر فقاعة عزلته و الانضمام إلى الفرقة وهو ينفخ في الناي العابس .. أمسكتُ رأسي بكلتا يداي و هززته يمنة و يسرة، متى ستنتهي هذه الفقرة؟ جثوتُ على ركبتيَّ و شرعتُ بغناء ترنيمات صامتة: 

” لا بأس، لا بأس .. ” 

تحملق المارة حولي، لستُ أرى سوى عيونهم التي تومض بالسخرية، و أطراف أصابعهم التي تتجه نحوي بتحذير .. لستُ أفهم حرفًا مما تقولون ! همسات متزايدة بلا معنى. 

تحرك الحشدُ مجددًا بحركة رتيبة بطيئة ثم رقصوا مبتعدين على ألحان أغنيتي .. رفعتُ رأسي فجأةً حين سمعتُ صوتًا مألوفًا كنتُ قد نسيته: 

” انهضي ” 

عمَّ الصمتُ بداخلي، لستُ أحلم .. ابتسمتُ بغير تصديق و اغرورقت عيناي، وضعتُ كلا كفيّ على فمي بعفوية .. صوت صديقاي القديمان، جناحَيّ !  

قياسي
حَرْفٌ

احتضار.

​مرحبًا .. 

سوف أخبركم قصة حورية شفافة ملونة؛ لأول لمحة قد تعتقد بأنّها قوسُ قزح، لكن ما إن تقترب إليها أكثر تجدها فتاة عادية بأجنحة من نور ، يتساقط من جناحيها غبار الذهب. مُذهلة، بارعة؛ سمعها مرهف، باستطاعتها سماع دقات قلبك. 

كانت تشعر كثيرًا ، للحد الذي يجعلها تتخلى عن جزء منها للآخرين، تُسيل من أوردتها نورًا تفوح منه رائحة القهوة الزكية لتروي ظمأ اصدقائها، ابتسامتها شديدة الجاذبية وضحكتها الصاخبة كصوت قيثارة سماوية. 

غبتُ عنها حينًا ، ثم عدتُ. لم تبرح مكانها قط؛ لكنها كانت مختلفة؛ شفافة شاحبة، وقد فرغ منها لونها .. لقد استسقى منه الكثيرون، الكثيرون اللذين يأتون إليها ثم يرحلون تاركين وريدها ينسكب وهي تناديهم بصوتها الذي أصبح عميقًا كأنه خوار في مغارة وحيدة .. بالرغم من تهاويها، كانت تخشى عليهم وحشة الطريق المجهول، فكانت تطير فوقهم تنير لهم دربهم حتى يصلوا إلى بر الأمان.
في أحد الأيام، اخترق وتدٌ فولاذيٌ يغطيه القطران رئتها، بكت بوجع مكتوم، دموعها تساقطت كلؤلؤ تهاوى من امان محارته! ابتعد الجميع من حولها، وحدها تدور حول نفسها بوجع مؤلم، تهمس باكيةً طلبًا للمساعدة، بحثًا عمّن يضمد جرحها العميق. ضغطت عليه بكلتا يديها واستجمعت كل مالديها من قوة و صرخت ، تنادي بفزع المصاب و رجاء القريب ؛ أنت! كنت بجانبي! كنت أداويك بدمي .. 

لكنه ابتعد معهم متلعثمًا ” لقد أصبحَت سامة الآن، أخشى على نفسي منها! ” 

الوحدة تفتح جروحها و الذكرى شنّت الحرب ضدها .. لكنها مازالت تضحك بعذوبة، فيجتمعون حولها مجدداً لتستلذ آذانهم بموسيقى قيثارة صوتها الباكي و ليرمقونها بنظرات حادة تخترق روحها. 

حين رأيتها مؤخرا كانت تحمل لافتة كُتب عليها : 

” لا ترفضني. ابتعد قبل أن ترفضني ..”

لكن لائحتها كانت دائمًا ما تُقرأ بعكس ما تقول!

أصبحت هزيلة جدًا، جناحاها الضعيفان يستلقيان بجانبها وقد تلاشى نورهما حتى كاد يكون مظلماً.. حين ترفع جناحيها يتساقط منهما ذرات التراب الخشنة، فتجرح بشرتها الرقيقة.

لم تعد كما عهدتها .. حين تنظر خلال عينيها تشيحهما بعيدًا، لا تريدك أن ترى تضاؤل روحها ! إنني اسمع انشطار قلبها واضحًا مسموعًا ! هاهي تحتضر أمام عينيّ و زوارها يراقبون موتها البطيء بحاجبين معقودين؛ يلومونها لخفوت ألوانها و انطفاء بريقها ! 

ارقدي بسلام .. 

قياسي
حَرْفٌ

إليكِ صوتي

لست اعلم لم أصبح النهار ليلا، طويلا و قد لفظ نجومه إلى الفراغ. السماء سوداء، حالكة، صامتة ! لست أرى ملامحها لكنني أشعر بعبوسها، اعتزلَتْ الحديث .. 

لا يعجبني حالكِ يا سماء .. إليكِ صوتي ! احتاج إيناسكِ لي .. لمعان مصابيحكِ، و همساتكِ الباردة بدفء. أريد أن أشعر مجددًا، أولم تري إحدى عينيّ باتت جافّةً ، و اختها شَخوص ؟!

لا تبتئسي ! أصبح فؤادي فارغًا إثر نأيكِ الواجم .. يا سماءُ، أعلم أنك تكادين تتميزين وحشةً، حدّثيني، حادِثيني ..  إليكِ ما تبقى بي من روح، ابتسمي كرةً تلو اختها، حتى تلمع نجماتكِ عن أقصاها ! لحّني هدير كلماتكِ مجددًا، فلتبكي غيثًا مُغيثًا، إنَّ نهر الحياة بداخلي بات ضحلًا، عكِرًا، مُرّا ، جانبيّ يباسٌ مستمر، و الساعات صارت عِجاف.

قياسي
حَرْفٌ

شتاءٌ يسكنني.

على صدر الورق نفثتُ فكرة، ونبضة، و ومضة من روحي الملتهبة. ثلاثًا ثلاثًا رصفتهنّ؛ زفرةٌ عميقة من كهف صدري الذي يربض بداخله قلبٌ مرتجف، يبدو أنّ الشتاء لا يريد الرحيل عن صدري ! لقد طالت مدته كثيرًا !

عبستُ بصوتٍ أشبه بالباكِ: ” وبعدين !! ”

همستُ لنفسي و الحيرة تلتهم عقلي ببطء متلذذ ! تناولتُ كوب الشوكولا الساخنة و رشفت منه رشفتين لسعتا لساني، تحسستُ مرور المشروب عبر بلعومي، ابتئستُ مكشرةً، قطّبت جبيني و دمعت عيناي. الشتاء في صدري ما زال قارسًا !

لم تُجدِ الكنزة الصوفية نفعًا، ولا شراب الشوكولا ! المدفئة بدأت تهسهس بجواري، أكاد أقسم انها تضحك سخريةً من شتاءي السرمدي ! فتحتُ عينيّ بحماس مفاجئ، عرفتُ الحل ! سأبتلع شمسًا فأغرق بالدفء، فتهدأ ارتجافة قلبي الصامت .. عندها فقط سيتحدث معي بمرح وبلا توقف مجددًا ، كعادته. ابتسمتُ بسعادة ثم سارعتُ بتغطية فمي بكلتا يداي .. فأنا لا أريد للمدفأة الشمطاء أن تعلم عن خطتي. اطمئن يا *قلبي* .. سآتيك بالنجدة بينما تدعو الله أن يساعدني، سأستأذن الشمس أن تنام ليلة واحدة بداخلي. اوه! يجب أن لا أنسى ان اعتذر من السماء و الارض، سأستعير الشمس منهم، ليلة واحدة فقط ! السؤال صعبٌ لكنني سأفعلها على اية حال، لئلّا تموت، فيأخذني صاحب القلنسوة الطويلة إلى ملجأ الرماد .. حيثُ أيتام الحياة يكورون الرماد الأسود بأصابعهم الخمسة، ثم يلتقمونه دفعة واحدة ! التفتُ يمنةً و يسرة بتلقائية سريعة لأنفض هذه الأفكار المرعبة عن مخيلتي. لقد بردت الشوكولا، و المدفأة ما زالت تهسهس ضاحكةً ! خزرتها ، ثم وقفتُ بصعوبة، فجاذبية الأرض تشدني بقوة؛ يتوجب علي أن أعيد تدفئة شراب الشوكولا للمرة الاخيرة، لأجل المختلج بداخلي ..

قياسي
حَرْفٌ

هيَ

تبتسمُ .. فتخيطُ النجمات من ضوئها ثوبًا لتكتسي به السماءُ عُرسًا، راقصًا تحت ضوء محياها ! تتحدثُ موسيقى فردوسية، فيضطرب النهر، حُبًا، و خجلًا. الكون يحتفلُ سبعين ليلةٍ و ضُحاها. ويكأنَّ فتنة ڤينوس ترقد في مقلتيها! أرأيت أسراب الطيور المهاجرة إلينا ؟! أسمعتَ تغريد البلابلِ هذا الصباح ؟! نغماتٌ أسطورية خالدة؛ كأنّها حلمٌ تجسّد واقعًا، حوريةُ ملحمةٍ منقوشةٍ على لوحٍ سومريّ، ترنيمةُ قدّيس، أعجوبة الإرث البشري!

قياسي
حَرْفٌ

​مرحبًا .. لم أكتب منذ مدة، لا أعرف السبب عينه لكنني أعلم أن الكثير قد حدث. هذا الكثير الذي أصبح لا يفارقني .. تراكم فوق بعضه حتى أصبح وحشًا بشعًا، له فم كمغارة عميقة يستقر قعرها في قلب ذاكرتي! يبتلع أحرفي إلى ظلامه لتشكل جوقةً ذات نعيق حاد .. أطراف الوحش تعيث فيَّ بعثرةً فتمزق ابتسامتي، ترغمني على افتعال الكوميديا وهذا يؤلمني كثيرًا ! أعلم أنه لا يهمك حديثي ولا ابتسامتي ولا يحرك وجعي فيك ساكنًا، لكنني أريد ان اقتلع هذا الوحش الذي يغرز قدميه في رأسي كجذور شجرة معمرة، يقتات على بهجتي البسيطة فتُهضم بداخله .. 

قياسي