Uncategorized

هرطقة.

أشعر بالخواء، باللاشعور .. 

أصبحتُ أشبه الشجرة العجوز التي كانت تحنو علي بظلها، إلا أنني بلا أوراق، يابسة، جوفاء، وبلا ظل .. 

اسمع خوار الهواء وهو يصيح بداخلي، جامدة كعجل قوم موسى ..

عينيّ خاويتان، باردتان شاخصتان باللاشيء، لم تعودا تلمعان بمرح كالسابق. لقد فقدتُ الكثير مؤخرًا .. الكثير الذي كان يعمّرني، سأحدث أخباري لخالقي .. سأرجف رجفة كما الأرض التي اغتالها ابناؤها. 

لست ادري مالذي اهرطقه على هذه الصفحة الفارغة مثلي، كل ما اعرفه انني اردت ان انشر حروفًا منزعجة ليصمت العالم، و اعود إلي صمتي القديم. 

قياسي
حَرْفٌ

أنا العنقاء

 

كان لديّ صديقٌ قديم، كابوسي الخاص، كنتُ استأنس برفقته بخوف. يلف يديه حولي و يغرز اظفاره بظهري كناية عن تملكه لي، كنت أستسلم بين ضفتيه؛ أعض شفتيّ لأمنع صوتي المختنق من التعالي، حتى أشعر بطعم مرارة السائل القرمزي في فمي مرورًا ببلعومي.. 

في أحد الأيام كنت كعادتي أرتعش بين يديه اللتان كانتا أقرب إلى كلاليب فولاذية، اضحك بهستيريا على نكاته الشبحية، ياللسخرية! 

لحظة مهمة تلك التي سمعت بها حفيفًا، صريرًا .. لحظة بارعة شعرت بحركة لطيفة بظهري، تمامًا حيث كان، صديقي القديم يغرز مخالبه التي يسيل منها القطران. كنتُ قد أغلقت عينيّ لتسع سنينٍ عجاف ثقال، حتى أنني خلتُ أنهما قد خيطتا ! لحظة اندفاع الادرينالين بجسدي، شعرتُ بتيارات كهربائية بقوة تسعة آلاف واط وأكثر ، تعبر خلال جسدي كاملا .. كانت لحظة متهورة تلك التي قررتُ فيها أن اترك امانيَ المخيف، أن أخطو خارج المحارة التي لم أعرف سواها قبلًا، نحو العالم الغريب. تناهى إلى سمعي صوتٌ يستجديني للعودة، لكنني تجاهلته رغم ذلك .. تحول الصوتُ متوعدًا و منددًا، يدعو بالويل و الثبور، يخبرني أنه مدينتي الفاضلة، يهدد أنني سألتهم الرماد خمس لقمات متتالية حتى أُتخم و يخرج من مدمع عينيّ .. مسكينٌ ذلك الصوت، لم يكن على دراية بما كنتُ أرى ! كونٌ سرمديٌ يداعب عينيّ في الخارج، رائحة حنونة تشعرني بالدفء.. أوه، أهذه هي رائحة ما يسمونه بأشجار الصنوبر ؟! ياه، صوتٌ عذب بداخلي يهمس لي أن استمر، شعورٌ قويٌ يجرني إلى الخارج. فتحتُ عينيّ باتساع، ياللدهشة! سوطٌ من نور يرقص أمام ناظريّ ، حينها فقط عادت الحركة اللطيفة في ظهري، كتفيّ تحديدًا لكن هذه المرة كانت قوية، كأنّ شيء يريد الخروج من ظهري، أن يتنفس ! فتحتُ فمي لأصرخ فإذا بي أضحك حتى اختنقت بالاوكسجين .. 

سحبتُ نفسًا عميقًا منعشًا .. فانطلقت من ظهري قطعتين مكسوتان بريشٍ فضيّ، ترقص لمعتهما تحت عين الشمس وهي تميل محتضنة الأرض! همس الصوتُ بداخلي مجددًا 

” نحو الشمس، حلقي بجناحيك .. إنك العنقاء ” 

أسطورةٌ، تولد من رمادها ولا تلتهمه .. صعبٌ الوصول إليها ! 

أنا العنقاءُ. 

قياسي
حَرْفٌ

موسيقى مشوّهة

” لا بأس، لا بأس، لا بأس .. ”

ظللتُ أردد هذه الجملة بداخلي مرارًا لعلّي أهدئ من روع  المختلج في جوفي. جوقة عجيبة من المشاعر المختلفة اجتمعت واقفة على قدمٍ وساق، بلا قائد للجوقة تستمر بعزف مقطوعة شديدة العشوائية و عالية التردد ، تبعثر ما جمعته بصعوبة من شجاعة مرتجفة. فم بوقها ينعق في أذن قلبي و تقهقه طبولها في رأسي، لحنٌ غريب!

 أشعر بحضور قلبي الخفّاق بداخل رأسي، كأنه صندوق مفرغ من كل شيء سوى صدى خفقات صارخة بلحن الجوقة الصاخبة. استطعت تمييز الخوف يحتضن الكمنجة و يعزف ضاحكًا .. و يتمايل الحنين أمامه محتارًا بلحن الأكورديون  الذي يرقص بين يديه عبثًا .. بينما تمدد الغضب على ظهره و أصابعه تداعب اوتار القيثارة الرمادية. أخيرًا قرر الحزن كسر فقاعة عزلته و الانضمام إلى الفرقة وهو ينفخ في الناي العابس .. أمسكتُ رأسي بكلتا يداي و هززته يمنة و يسرة، متى ستنتهي هذه الفقرة؟ جثوتُ على ركبتيَّ و شرعتُ بغناء ترنيمات صامتة: 

” لا بأس، لا بأس .. ” 

تحملق المارة حولي، لستُ أرى سوى عيونهم التي تومض بالسخرية، و أطراف أصابعهم التي تتجه نحوي بتحذير .. لستُ أفهم حرفًا مما تقولون ! همسات متزايدة بلا معنى. 

تحرك الحشدُ مجددًا بحركة رتيبة بطيئة ثم رقصوا مبتعدين على ألحان أغنيتي .. رفعتُ رأسي فجأةً حين سمعتُ صوتًا مألوفًا كنتُ قد نسيته: 

” انهضي ” 

عمَّ الصمتُ بداخلي، لستُ أحلم .. ابتسمتُ بغير تصديق و اغرورقت عيناي، وضعتُ كلا كفيّ على فمي بعفوية .. صوت صديقاي القديمان، جناحَيّ !  

قياسي