حَرْفٌ

احتضار.

​مرحبًا .. 

سوف أخبركم قصة حورية شفافة ملونة؛ لأول لمحة قد تعتقد بأنّها قوسُ قزح، لكن ما إن تقترب إليها أكثر تجدها فتاة عادية بأجنحة من نور ، يتساقط من جناحيها غبار الذهب. مُذهلة، بارعة؛ سمعها مرهف، باستطاعتها سماع دقات قلبك. 

كانت تشعر كثيرًا ، للحد الذي يجعلها تتخلى عن جزء منها للآخرين، تُسيل من أوردتها نورًا تفوح منه رائحة القهوة الزكية لتروي ظمأ اصدقائها، ابتسامتها شديدة الجاذبية وضحكتها الصاخبة كصوت قيثارة سماوية. 

غبتُ عنها حينًا ، ثم عدتُ. لم تبرح مكانها قط؛ لكنها كانت مختلفة؛ شفافة شاحبة، وقد فرغ منها لونها .. لقد استسقى منه الكثيرون، الكثيرون اللذين يأتون إليها ثم يرحلون تاركين وريدها ينسكب وهي تناديهم بصوتها الذي أصبح عميقًا كأنه خوار في مغارة وحيدة .. بالرغم من تهاويها، كانت تخشى عليهم وحشة الطريق المجهول، فكانت تطير فوقهم تنير لهم دربهم حتى يصلوا إلى بر الأمان.
في أحد الأيام، اخترق وتدٌ فولاذيٌ يغطيه القطران رئتها، بكت بوجع مكتوم، دموعها تساقطت كلؤلؤ تهاوى من امان محارته! ابتعد الجميع من حولها، وحدها تدور حول نفسها بوجع مؤلم، تهمس باكيةً طلبًا للمساعدة، بحثًا عمّن يضمد جرحها العميق. ضغطت عليه بكلتا يديها واستجمعت كل مالديها من قوة و صرخت ، تنادي بفزع المصاب و رجاء القريب ؛ أنت! كنت بجانبي! كنت أداويك بدمي .. 

لكنه ابتعد معهم متلعثمًا ” لقد أصبحَت سامة الآن، أخشى على نفسي منها! ” 

الوحدة تفتح جروحها و الذكرى شنّت الحرب ضدها .. لكنها مازالت تضحك بعذوبة، فيجتمعون حولها مجدداً لتستلذ آذانهم بموسيقى قيثارة صوتها الباكي و ليرمقونها بنظرات حادة تخترق روحها. 

حين رأيتها مؤخرا كانت تحمل لافتة كُتب عليها : 

” لا ترفضني. ابتعد قبل أن ترفضني ..”

لكن لائحتها كانت دائمًا ما تُقرأ بعكس ما تقول!

أصبحت هزيلة جدًا، جناحاها الضعيفان يستلقيان بجانبها وقد تلاشى نورهما حتى كاد يكون مظلماً.. حين ترفع جناحيها يتساقط منهما ذرات التراب الخشنة، فتجرح بشرتها الرقيقة.

لم تعد كما عهدتها .. حين تنظر خلال عينيها تشيحهما بعيدًا، لا تريدك أن ترى تضاؤل روحها ! إنني اسمع انشطار قلبها واضحًا مسموعًا ! هاهي تحتضر أمام عينيّ و زوارها يراقبون موتها البطيء بحاجبين معقودين؛ يلومونها لخفوت ألوانها و انطفاء بريقها ! 

ارقدي بسلام .. 

قياسي
حَرْفٌ

إليكِ صوتي

لست اعلم لم أصبح النهار ليلا، طويلا و قد لفظ نجومه إلى الفراغ. السماء سوداء، حالكة، صامتة ! لست أرى ملامحها لكنني أشعر بعبوسها، اعتزلَتْ الحديث .. 

لا يعجبني حالكِ يا سماء .. إليكِ صوتي ! احتاج إيناسكِ لي .. لمعان مصابيحكِ، و همساتكِ الباردة بدفء. أريد أن أشعر مجددًا، أولم تري إحدى عينيّ باتت جافّةً ، و اختها شَخوص ؟!

لا تبتئسي ! أصبح فؤادي فارغًا إثر نأيكِ الواجم .. يا سماءُ، أعلم أنك تكادين تتميزين وحشةً، حدّثيني، حادِثيني ..  إليكِ ما تبقى بي من روح، ابتسمي كرةً تلو اختها، حتى تلمع نجماتكِ عن أقصاها ! لحّني هدير كلماتكِ مجددًا، فلتبكي غيثًا مُغيثًا، إنَّ نهر الحياة بداخلي بات ضحلًا، عكِرًا، مُرّا ، جانبيّ يباسٌ مستمر، و الساعات صارت عِجاف.

قياسي
حَرْفٌ

شتاءٌ يسكنني.

على صدر الورق نفثتُ فكرة، ونبضة، و ومضة من روحي الملتهبة. ثلاثًا ثلاثًا رصفتهنّ؛ زفرةٌ عميقة من كهف صدري الذي يربض بداخله قلبٌ مرتجف، يبدو أنّ الشتاء لا يريد الرحيل عن صدري ! لقد طالت مدته كثيرًا ! 

عبستُ بصوتٍ أشبه بالباكِ: ” وبعدين !! ” 

همستُ لنفسي و الحيرة تلتهم عقلي ببطء متلذذ ! تناولتُ كوب الشوكولا الساخنة و رشفت منه رشفتين لسعتا لساني، تحسستُ مرور المشروب عبر بلعومي، ابتئستُ مكشرةً، قطّبت جبيني و دمعت عيناي. الشتاء في صدري ما زال قارسًا ! 

لم تُجدِ الكنزة الصوفية نفعًا، ولا شراب الشوكولا ! المدفئة بدأت تهسهس بجواري، أكاد أقسم انها تضحك سخريةً من شتاءي السرمدي ! فتحتُ عيناي بحماس مفاجئ، عرفتُ الحل !  سأبتلع شمسًا فأغرق بالدفء، فتهدأ ارتجافة قلبي الصامت .. عندها فقط سيتحدث معي بمرح وبلا توقف مجددًا ، كعادته. ابتسمتُ بسعادة ثم سارعتُ بتغطية فمي بكلتا يداي .. فأنا لا أريد للمدفأة الشمطاء أن تعلم عن خطتي. اطمئن يا *قلبي* .. سآتيك بالنجدة بينما تدعو الله أن يساعدني، سأستأذن الشمس أن تنام ليلة واحدة بداخلي. اوه! يجب أن لا أنسى ان اعتذر من السماء و الارض، سأستعير الشمس منهم، ليلة واحدة فقط ! السؤال صعبٌ لكنني سأفعلها على اية حال، لئلّا تموت، فيأخذني صاحب القلنسوة الطويلة إلى ملجأ الرماد .. حيثُ أيتام الحياة يكورون الرماد الأسود بأصابعهم الخمسة، ثم يلتقمونه دفعة واحدة ! التفتُ يمنةً و يسرة بتلقائية سريعة لأنفض هذه الأفكار المرعبة عن مخيلتي. لقد بردت الشوكولا، و المدفأة ما زالت تهسهس ضاحكةً ! خزرتها ، ثم وقفتُ بصعوبة، فجاذبية الأرض تشدني بقوة؛ يتوجب علي أن أعيد تدفئة شراب الشوكولا للمرة الاخيرة، لأجل المختلج بداخلي .. 

قياسي
حَرْفٌ

هيَ

تبتسمُ .. فتخيطُ النجمات من ضوئها ثوبًا لتكتسي به السماءُ عُرسًا، راقصًا تحت ضوء محياها ! تتحدثُ موسيقى فردوسية، فيضطرب النهر، حُبًا، و خجلًا. الكون يحتفلُ سبعين ليلةٍ و ضُحاها. ويكأنَّ فتنة فينوس ترقد في مقلتيها! أرأيت أسراب الطيور المهاجرة إلينا ؟! أسمعتَ تغريد البلابلِ هذا الصباح ؟! نغماتٌ أسطورية خالدة؛ كأنّها حلمٌ تجسّد واقعًا، حوريةُ ملحمةٍ منقوشةٍ على لوحٍ سومريّ، ترنيمةُ قدّيس، أعجوبة الإرث البشري!

قياسي