حَرْفٌ

قفزة الخلود.

فوق البرج القصيّ أقف، على أعلى نقطة في المدينة ! حدّقت بالجمهور في الأسفل، اختلفت مشاعرهم و نظراتهم .. باستطاعتي أن أرى ما يفكرون به جليًا، سيماهُم في وجوههم !
ارتفعت الأصوات حين خطوت لأقف على الحافّة، نصف خطوة ثم هاوية ..
أرى البعضَ خائفًا مترقبًا، أصواتٌ تعالت لتخبرني أنني أستحق فرصة أخرى، تذكرني أن هناك من يحبني و ينتظر عودتي ! و ما أدراكم ؟ ارتفعت أجهزة صغيرة بكفوف البعض، لتلتقط هذا الحدث الجلي ! فالكثيرون يتجردون من أنفسهم و يتركون ” الأجهزة الذكية و الشبكة الالكترونية ” لتستعبدهم و تلف أغلالًا موجيةً حول أعناقهم ! من السهل أن تُحجم عن كونك إنسانًا، فالعملة المتداولة في هذا الزمن هي التملّق و رضى الآخرين هو لقمة العيش !
توسعت حدقتي أكثر و أكثر، يستصرخونني بأن ” حُبًا بالرب لا .. ” إني أرى مالا ترون !
لن أبررّ الآن، ستفهمون لاحقًا ! على المرء أن يأخذ بالتضحيات، بل أن يقوم بها !! لستُ كبشًا، ولا أسدًا .. لستُ ضحيةً، أنا أنا.

ابتسامتي تتسع و عيناي تتحدثان بالغير ماديّ. عضلات جسدي استعدت للقادم, سحبتُ نفسًا عميقًا و حبستُه داخل جسدي، أسمعهُ يُناجي خلاياي بما لم أره إطلاقًا، شعورٌ غامر! أطلقتُ النفس ببطء شديد و عينيّ مغلقتان. فتحتهما، نظرة أخيرة على طول المدى، هذا الكون كبير، شاسعٌ جدًا ! أشعة الشمس تحتضن بشرتي و كأنها تحثني على الإنطلاق، اتّقدت خلايا عقلي بنشوة، هاهي الشمس بثوبها الذي بدأ يميل للحمرة و ينعكس على وجه السماء الذي بدا كصفحة نهر ساكن ، هاهي تحتضن الأرض .. تغوص في بطنها لتطلع شمسًا جديدةً في مكانٍ آخر ! سوف أغادر الأرض معكِ إلى أرضٍ أخرى، لن أبقى في هذه البقعة الانفرادية بعد الآن. سوف أعيش في السماء !

الآن، حانت اللحظة.
الوداع ..

انحناءة، ثم قفزة .. صرخوا شاهقين!
بهتَت الأصوات من حولي و تلاشت، لا أسمع الآن سوى نبضات قلبي المضطربة. الهواء يحتضنني، بل هو جسمي يشق جسد الهواء، أشعر به ! أنا أهوي ..

هاهو جناحي يكبر أمام الملأ، يتعاظم و يرتفع ليملأ الأفق !
تطايرت ريشات ذهبية مشعّة من جناحيّ حين خفقا ..
ارتفعتُ مجددًا و ارتفع صوتُ ضحكاتي، راقصتُ الغيوم. أنا أحلّق .. أنا أرى النور َ
دُهش الجمهور في الأسفل، أصيبو بالرعب و الروعة .. كنتم لتقطعون جناحيّ و تحبسونني في زنزانة.

كنتُ لأكون مكان أحدكم، لكنني أنا أنا

ارتفعتُ أكثر، سهامكم و طلقاتكم النارية ترشقني من كل حدبٍ و صوب. لن تستطيعوا إصابتي ! درعي جناحي، و الكون صديقي المخلص. سأطير حيثُ أعيش لي و لأجلي .. لكنني سأبقى نجمةً ذهبيّة في الفضاء الشاسع, سأعيش نبضة لا تتوانى عن غزو قلوبكم، سأبقى بين نسمات الهواء و أزاحم ذرتي الهيدروجين اللتان تكوّنان الماء، وكل شيءٍ حي.

سأبقى أنا أنا ..

لخلودي بقيّة.

Advertisements
قياسي
Uncategorized

مُفارَقَةٌ حُلْوَةٌ.

عيناها توأمَا لوزٍ حُفّا بالشهوات، و يسبحُ في فُلكِ كُلٍ مِنهما كوكبٌ مِن بندق، بطعم القهوة، و رائحةِ المَاهُوجنيّ. في التقاء رموشها قبلةٌ تطفو لتُطبَع عميقًا في طيّات الروحك، تَقبضُ النبضات للحظات بألم لذيذ!
في عينيها تَقطُن المتناقضات، كالحَربِ والسِّلم.. تعيثُ في الجوفِ جوىً لتُعتق الصِبا و الشباب، و الطفولة و المشيب!
في عينيها يطمئنُّ مارِدٌ ملائكيٌ مُجنَّح، ما إن يرمِقُ حدقتيك حتى يُصيبك بِمَسٍّ لا يَكادُ يُشفَى إلّا عبرَ قُبْلَةٍ مِنْ لهيبِ شفتيها. لكن حذارِ، فشفاؤك سيزيد مِنْ تَفَاقُم حمى اشتياقك للمزيد، تُسكِرُ كلَّ بعضِكَ، ماعدا المُستَصْرِخ وَلَعًا، اللابِثِ يسارَ صدرك ..
آهٍ و عينيها البريئتان تسجنان حُرّية قلبي، و تُقيّدان عقليَ بِأغلالٍ أثيريِّة مِن نورٍ لتقتادني نحو زنزانتي السماويّة !
آهٍ و عينيها تحملان أسرار القدماء، و تضحكان لتسَتَحضِرا غَياهِب عُتمة روحي في رَقصة ساحِرةٍ، فتُسطعان فيَّ بنورهما.
هَل ليَ أنْ أُقبِّل عينيها ؟! فأعيشُ قيسًا سرمديًا، و تصيبُني بضَربٍ مِن الهوَى ؟! هل لي أنْ أسبِر أغوَار تلكُما العينان فأضيعُ في مَداراتِ روحِها الخجِلَة؟!
ها أنَا أمَامَ المَذبَح، أُقدِّمُ تَضحيَتي، روحيَ الأبيَّة، أفلا تضمّيني إليكِ، اجعليني شِغافِ قلبكِ ، حيثُ أصير حَجرَ زاوية خِدرِ حبكِ ..

قياسي